بحث في المدونة

الثلاثاء، 19 مايو، 2015

مفكرة منبوذة



انتهى أكرم من حزم حقائبه استعداداً للسفر...
بعد أعوام عديدة قضاها في الغربة بعيداً عن وطنه...
لكن ها هو شعر بالحنين للعودة إليه...
ربما السبب الرئيسي في ذلك الحنين هو اشتياقه لأسرته الصغيرة
فلقد ترك والدته و أخيه الأصغر وحدهما في مصر
رغم أنه كان يرسل إليهما الكثير من المال بصورة ٍ دوريةٍ...
لكنه اشتاق إليهما حقاً و هما اشتاقا إليه...
لذلك حان الوقت رؤيتهما، لقد أبلغهما و سينتظرانه في المطار حتماً...
أنه يفكر الآن في العودة إلى مصر نهائياً، بعد أن أصبح ميسور الحال
و لديه مواد علمية كثيرة قد تفيده...
أخذ يراجع كافة متعلقاته لمرة أخيرة، قبل أن يذهب للمطار
و هنا وجد تلك المفكرة العجيبة في أحد أدراج مكتبه
كانت مغطاة بالغبار بالكامل، ربما لم تبرح مكانها منذ فترةٍ طويلة
أخذ يقلب صفحاتها في عجلة، وجدها مليء بكلام غريب غير منظم...
هو لا يملك الوقت لقراءة ما فيها، سيأخذها معه ليقرأها في الطريق...
فقد تحتوي على معلومات مهمة يحتاجها...
وضعها في حقيبة يده، ثم حضر أحد عاملي المبنى ليحمل حقائبه حتى سيارته...
ثم نزل إلى ذلك الشارع الفخم في مدينة نيويورك الأميركية...
دلف إلى المقعد الخلفي في سيارته الفاخرة، بينما أحتل السائق مقعد القيادة...
مضى السائق في طريقه،  لكن توقفت السيارة أكثر من مرة في زحام نيويورك...
و هنا قرر أكرم استغلال تلك الفرصة، ففتح حقيبة يده و أخرج منها تلك المفكرة العجيبة...
كانت ذات غلافٍ أسود تماماً، صفحاتها مهترئة بصورة كبيرة...
لكنه لم يعر لذلك اهتماماً...
فتح المفكرة و ألقى نظرة على صفحها الأولى...
وجد تلك الجملة الوحيدة المكتوبة بخط يده هو!
"إن كنت ستفكر يوماً في العودة إلى مصر، فمجرد التفكير في الأمر يجعلك أحمقاً!"
صدمته تلك العبارة كثيراً، كيف لا و هو في طريقه إلى المطار و من ثم العودة إلى مصر بالفعل الآن!
قلب الصفحات ليتابع القراءة ، ليجد الآتي مكتوباً في الصفحات التالية :
" إلى نفسي الحمقاء التي شعرت بالحنين فكرت بالعودة إلى مصر ولو لمجرد زيارة!
حسناً أنت لم تنسَ حتماً، ما فعلته بك تلك البلد، التي هي ليست بوطنك!
لم تنس حتماً، كيف تخرجت من كلية العلوم بتفوق، و كم من أبحاث أجريتها و تم رفضها بأعذار سخيفة، بل وصل الأمر إلى تحذيرك من الاستمرار، لم تنسَِ ذلك، أليس كذلك؟
لم تنس أنك لم على الرغم من موهبتك الكبيرة بشاهدة الجميع، لم تحصل حتى على وظيفة كريمة تناسب مكانتك و تؤمن لك مستقبلاً آدمياً"
"إن كنت نسيت كل ذلك، فحتماً لم تنسَ أخيك الأكبر الذي سقط صريعاً على يد رصاصات المجرمين في يناير و هو لا يزال في ريعان شبابه؟!"
" ربما أنت لم تنسَ كذلك ما حدث لوالدك المريض، الذي فارق الحياة بسبب الإهمال و الاستهتار الذي تعرض له في العلاج، فقط لأنكم لا تملكون المال، بل حتى لا تملكون فرصة الحصول على المال، لذا كان عليكم اللجوء إلى مستشفيات حكومية عقيمة غير آدمية حتى، و حتى حين جمعتم المال الكافي لنقله إلى مستشفى أخرى، كان الأوان قد فات"
" حسناً إنك قد نسيت كل هذا، فربما تتذكر أختك الصغيرة التي أصابتها أمراض الرئة بسبب الاستهتار المتأصل في نفوس الناس جميعاً في تلك البلد و عدم احترمهم لصحة الأخرين...
بالتأكيد لم تنسِ كم من الآلام التي كانت تعانيها أختك و هي لا تستطيع لفظ أنفاسها، بينما الهواء المعدوم ، و الكهرباء مقطوعة لساعات طويلة، بينما يخرج علينا المسئولين في شاشات التلفاز بابتسامة سمجة، و تصريحات أكثر سماجة"
"بالتأكيد أنت تذكر كم كنت منبوذاً في بلدك، التي ليست بوطنك...
بالنسبة لك كانت مجرد أرض مؤقتة تعيش فيها، حتى تجد فرصة للهرب منها قبل أن تموت
دولة لا تعترف إلا بالنقود، إن كنت تمتلك المال، فستعيش ملكاً و تتحول أرضها إلى جنة...
أما بدون المال، فستفتح لك أبواب الجحيم على مصراعيها.
دولة تمثل الطبقية في أشنع صورها، قد تكون نسيت ذلك اليوم حينما ذهبت إلى ذلك المركز التجاري الكبير...
حين كنت تظهر إلى واجهات العرض تكتفي بتأملها في حسرة، من المستحيل أن تفكر حتى في شراء أي شي من هناك و لو بعد عشرات السنين...
و في الوقت ذاته تنظر في انبهار و ذهول ممزوجين بالحسد، إلى أولئك الذي يخرجون محملين بكل ما يحلمون به من متاع في فرحة و سعادة.
" لقد اعتبرت نفسك لا تنتمي لتلك البلد، أنت بالفعل منبوذ منها...
مثلك مثل جميع من هم في حالتك...
تلك البلد ليست لك ، و أنت لا تنتمي إليها"
"يكفي"
قالها أكرم بصوتٍ مسموع دون أن يدري
فالتفت له السائق متسائلاً بالإنجليزية:
Any problem, sir?
" هل من مشكلة يا سيدي؟ "
انتبه أكرم لما قاله، فأجاب في سرعة:
Nope, just go on.
كلا، امضِ في طريقك.
استمر السائق في طريقه، بينما لم ينبس أكرم ببنت شفه و ظل صامتاً شارد الذهن طوال الطريق...
"we've already reached sir."
"ها قد وصلنا يا سيدي"
قالها السائق ليخرج أكرم من شروده...
خرج أكرم من السيارة دون أن ينتظر من سائقه أن يفتح له الباب...
تقدم ليدخل من بوابات المطار و معه إحدى الحقائب ...
تبعه السائق و معه بقية الحقائب...
لم يجلس في الاستراحة، و لم يفعل أي شيء سوى أنه ذهب إلى ساحة إطلاق الطائرة مباشرة...
لكنه ظل واقفاً فيها من الخارج، و السائق يحدق فيه بحيرة شديدة...
أخرج أكرم هاتفه المحمول من جيبه و أجرى مكالمة استغرقت بعض الوقت...
و لاحظ فيها سائقه أن ملامح وجه أكرم قد تغيرت كثيراً خلال المكالمة...
تكرر النداء التنبيهي للمسافرين بضرورة التوجه إلى مقاعدهم في الطائرة و الاستعداد لبدء الرحلة...
لكن أكرم لم يبالي بها، و لم يبالي بتنبيهات سائقه...
ظل واقفاً لوقت طويل... حتى رأى الطائرة و هي تحلق في السماء...
ثم خرج من أبواب المطار، يتبعه سائقه المصدوم...
أخرج أكرم من جيبه ، تلك التذكرة التي كان من المفترض أن تحمله إلى مصر...
ثم مزقها تماماً و ارتسمت على شفتيه ابتسامة تشفي...
ثم قال في نفسه :
آسف يا أماه، سيكون عليكِ أنتي أن تلحقي بي إلى هُنا...
لست أنوي العودة إلى ذلك المكان، حيث كنت منبوذاً.
قالها ثم أتجه إلى سيارته و أخبر سائقه بأنه سيقود هو السيارة بنفسه في طريقة العودة...
إلى منزله الفاخر... في نيويورك.
***********************************************************
تمت

الاثنين، 1 سبتمبر، 2014

كتاب ورق ملون لفريق القلم الحر

ورق ملون
تأليف:فريق القلم الحر للنشر الأدبي الجماعي


   
      عدد الزيارات : 1301
النوع: أدب ورواية   التصنيف: أدب عربي
الطبعة: 0   عدد الصفحات: 66
الناشر: فريق القلم الحر للنشر الأدبي الجماعي   سنة النشر: 0
مكان النشر:   عدد الاجزاء: 0
مكتبة التوزيع: منال عبد الحميد   الترقم الدولى:
المراجع: شريف ربيع   المترجم:
المقاس: 15.5x22.5 سم   نوع الغلاف: بدون غلاف
الوزن:   حالة التوفر: متوفر
على أرض الخريف تتساقط أوراق كثيرة لكن عندما يكون الخريف مختلفا .. تكون أوراقه متعددة الألوان أحمر لون الدماء التي تسيل .. أزرق لون السماء الحزينة .. أبيض لون الصفاء والسعادة واللبن .. أصفر غلا وغيرة .. أسود لامع براق يمنح حبا وشجنا أكثر مما يمنح حزنا وألما .. ولأن خريفنا مختلف .. فألواننا أيضا مختلفة

































التحميل : http://www.book-bourse.com/BookDetails.aspx?Id=5580

الجمعة، 27 سبتمبر، 2013

سماء بلا نجوم



إهداء إلى الأشخاص الذين غيروا حياتي للأفضل ...
إلى النجوم التي تلمع في سمائي ...
إلى من أشتاق إليهم ...
و إلى من أريدهم أن يظلوا بقربي دائماً ...

ظلام دامس لا ينقشع ...
هدوء و وحدة و ...
و لا شيء ...
فقط صمت رتيب كئيب ، مستمر إلى ما لا نهاية ...
إنها حلقة سوداء أدور فيها ...
رغم أنني أرى النور يلوح في الأفق ...
أراه يتوهج أمام عيناي ...
و لكني لا أستطيع الوصول إليه ...
أحياناً أمد يد و أحاول أن أمسك بالنور بيدي ...
و لكني دائماً ما أفشل ...
فهل لأنني لا أحاول بالجدية الكافية ؟
أم لأنني أحتاج إلى من يمد إلي يده ...
و يخرجني من ذلك الظلام ...
حسناً ، ربما ليس علي أن أفكر في الأمر ...
لقد اعتادت عيناي على الظلام ...
و اعتدت على الحياة في الظلام ...
في الظلام أكل و أشرب ...
أقرأ و أكتب ...
و ربما لو خرجت من الظلام ...
... أموت .
لا بأس ، سأبقى في الظلام ... إلى الأبد .
و من نافذتي الضيقة على العالم الخارجي ...
ألقيت نظرةً خاطفةً و خجولة على العالم الخارجي ...
و إلى السماء ... سمائي .
لم تتغير و ظلت كما هي ...
مُظلمة و كئيبة ...
و لا تلمع فيها النجوم .
هل أنا أحلم ؟ أم أن هذه حقيقة ؟
هل أنا أخرج للنور حقاً ؟ هل ؟
أجل ، إنها حقيقة ...
و الفضل له ... هو
هو من التقط  يدي و لم يتخلى عني قط ...
هو من قاتل ضد الظلام الذي كان يُغلفني ...
حارب ببسالة من أجل تحريري ...
و لم ييأس و لم يستسلم حتى فعل ...
عجزت عن الكلام ، فلم أجد إلا أن أقول و الدماع تكاد تسيل من عيني :
أشكرك ، حقاً أشكرك .
ابتسم في هدوء قائلاً :
لا تشكرني ، و الآن الجميع بانتظارك .
اتسعت ابتسامتي ...
أجل ، أنا مُمتن لهم جُميعاً ...
جميعهم تكاتفوا من أجلي ... و لم يتخلوا عني ...
و ... ها هم .
ها أنا أراهم جميعاً أمامي ...
وسط النور ... الغامر .
الآن فقط يُمكنني أن أنظر إلى السماء ...
التي امتلأت بالنجوم ... المُتوهِجَة .
منذ اليوم ، تغيرت حياتي تماماً ...
لم أعد أرى الظلام ...
و حتى لو رأيته ، فسرعان ما ينقشع ...
أصبحت لدي العديد من النجوم ...
نجوم ٌ قوية بما يكفي ... لتبديد أي ظلام .
الأهم من ذلك ... أنني أيضاً أصبحت نجماً ...
نجماً ، في سماوات الآخرين ...
أساهم في تبديد ظلماتهم ... و معاناتهم .
حقاً ، إنه هذا هو أهم ما في الوجود ... و ما في الحياة .
و الآن ها أنا أجلس معهم كالمعتاد ...
في تلك الشُرفة الواسعة التي نُحبها جميعاً ...
ننظرُ إلى السماء ، التي كانت مليئة ً بالنجوم الساطعة في ذلك اليوم ...
و القمر كان بدراً كاملاً ، يبعث بنوره الدافئ على الأرض ...
نسيم الهواء النقي ، يداعُب وجوهنا بلطف ...
نتبادل النكات و الدعابات ، و نتناقش في أمور الدراسة ...
كلٌ يحكي عن أحلامه ... و نتكلم عن المستقبل ...
 أشجعهم ، و هم يشجعوني على الاهتمام بهوايتي " الكتابة " ...
و نقضي وقتاً لا مثيل له ...
قلت : و الآن ما رأيكم بأن ...
" سأرحل الآن "
" ماذا "
قلتها و قالها معي للجميع ... و نحن نُلتفت إليه في استنكار ...
قلت : ما زال الوقت مُبكراً ، الأمسية لم تنتهي بعد .
قال بابتسامة ٍ أليمة ٍ : إنها النهاية بالنسبة إلي أنا .
قالها ، ثم أخذ يبتعد ، و يحلق لأعلى في هدوء ...
بينما أنا أصيح في غير تصديق : لا، انتظر ، لا تذهب ، لا تذهب !
لم أتمالك دموعي التي أخذت تسيل بغزارة ...
و شاركني الجميع في هذا ، بمنتهى الأسى ... و الألم .
و ها هو الوقت يمضي ، و بدأ النجوم بالاختفاء في السماء .
و بدأ ضوء القمر يخفت تدريجاً .
هنا ، أشار إليها و هو يقول :
و الآن ، حان الوقت لنغادر .
نظرت إليه بابتسامة ٍ هادئة قائلة ً:
حسناً .
نظرت إليهما متسائلاً في عدم فهم و هلع ...
بينما قال هو لي : لا بأس ، سنزورك من حين لآخر ...
كما ، أنك الآن وصلت لمرحلة الاعتماد على نفسك .
صرخت قائلاً : ما الذي تقوله ؟ انتظر !
قالت مبتسمة : لا بأس ، سنكون على اتصال دائماً .
عجز لساني عن الكلام ، و اكتفيت بالتلويح لهما مودعاً ، و أنا أحاول الابتسام ...
و الآن لم يتبقى سوى ثلاثتنا ...
حاولنا التماسك ثم حاولنا الابتسام ...  ثم حاولنا الضحك ...
ربما نجحنا في ذلك ... و ساندنا بعضنا البعض ...
و قضينا وقتا ً ممتعاً ...
حتى جاء ذلك الوقت الذي قال فيه :
و الآن يجب أن أغادر ... أراكم قريباً .
" انتظر ، ليس أنت أيضاً "
هكذا صحت في يأس ...
بينما قال هو :
لست أبعد كثيراً عن هنا ، و دائماً ما سآتي ... لا بأس .
ودعته في ضجر ... بينما عدت لأجلس بجانبها حيث لم يتبقى سوانا .
جلسنا نستعيد ذكريات الماضي ... و نفكر في المستقبل ...
و كذلك بدأنا نتحدث عن الدراسة و مشاكلها ...
هكذا قضينا الوقت ...
و في النهاية الحديث قالت :
و بالحديث عن الدراسة ، حان الوقت لأرحل من أجلها .
هززت رأسي في عدم فهم ثم قلت :
ماذا تقولين ؟
ابتسمت قائلة ً :
لا بأس ، مهما غبت فحتماً سأعود يوماً .
قلت و أنا أقاوم دموعي :
هل تمزحين ؟ هل ستتركينني أنت ِ أيضاً ؟
جميعكم ترحلون و تتركوني وحيداً ؟
لا ليس مجدداً ، لن أعود للظلام مجدداً .
قالت و هي تبتعد :
لن نتركك ، نحن دائماً معك ... نحن دائماً في داخلك .
و لن تسقط في الظلام .
قالتها ثم اختفت عن انظاري ...
بينما سقطت أنا أرضاً ...
شعرت فجأة ً بأنني أسقط في هاوية بلا قرار ...
هاوية مظلمة كئيبة تغلفني ، و تكتم أنفاسي ...
بينما لم أحاول أنا المقاومة على الإطلاق ...
فقط اكتفيت بالاستسلام للسقوط في يأس ...
و ...
و لكن ، لماذا توقفت عن السقوط ؟
لماذا بدأ الظلام في التبدد دفعة ً واحدة ً ؟
لماذا عدت لأرى النور من جديد ...
أشعر بيد ٍ دافئة ، تمسك في يدي ... و تدفعني للنهوض ...
أنهض و أنا أسمع صوتاً دافئاً عذباً يقول لي :
انهض ، لم أعهدك ضعيفاً .
نهضت و أنا أشعر بالقوة و الحيوية و الأمل يعودون لي فجأة ...
انظر لصاحبة الصوت و أقول منبهراً :
أنت ِ ؟ لا أصدق عيناي .
ابتسمت و هي تقول في رقة :
أجل ، إنها أنا .
تساءلت في توتر :
هل ستتركينني أنت ِ أيضاً ؟
أجابت و ابتسامتها تتسع :
أعدك بأني لن أفعل مطلقاً !
ابتسمت و قد عادت لي أمالي من جديد ...
وقفنا معاً ، و قد عادت نسمات الهواء لتداعب وجهينا ...
نظرنا للسماء ...
فرأيناها و قد امتلأت بالنجوم من جديد ...
و وسط كل هذه النجوم ...
شاهدنا نجمين كبيرين ...
يلمعان و يتوهجان ، كما لم تتوهج نجوم من قبل .
تمت
;